الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

368

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

والفلسفيّون ، وتغلغل الأثريّون ، يتلمّسون العثور على بصيص نور من حقيقته ويلتمسون التماع بارقة من جوهره ، لا يزدادون إلّاحيرة وتدلّهاً وبهراً وتعجّباً . فكلّما أبرقت لهم بارقة أمل أخفقت منهم جانحة سعي ، وكلّما تقدّمت منهم قوادم رجاء نكصت بهم إعجاز يأس . فهم والحقائق كواقف على طرف لجي تيّار ، لا تنفك تغمره موجة بعد أُخرى ، إذا انحسرت عنه واحدة فتح عينيه وأجال بصره في فسيح هذا الفضاء غير المتناهي ، وقبل أن يتعرّف شيئاً من تلك الكائنات الرائعة ويتمتّع بالنظر إليها اندفعت عليه الثانية ، فارتطمت عليه في آذيها ودفنته تحت طبقات تلاطماتها ، فلا يزال بين ظلمة ونور وموت ونشور ، حتّى تودي به إحدى تلك الغمرات ، وتلقيه في أعماق تلك اللجج وتلحده تحت أطباق ذلك الثبج « 1 » . سبحت في لجّك علّي أرى * عارفةً تكشف لي سرّا فلم أجد ثمَّ سوى موجة * تدفعني فيه إلى أُخرى تجد هذا الكون ومليكه الإنسان وكأنّه مضطرّ في صورة مختار ، ومسخّرٌ في هيئة مستقلّ بالإرادة ، حرّ في المشيئة مستبدّ بالملكوتية . وكلّها وهم في هم وخيال في خيال ، ما أسرع ما تنقشع سحابتها وتنجلي عمايتها . ولا أدري أتنجلي غبّ ذلك ، أم تتكاثف وتضعف ، أم تتضاعف ؟ ! كلمتي : أنّك تجد الإنسان على راسخ ما يزعمه ويعتقده لنفسه من الاختيار والتدبير وامتلاك التبديل والتغيير في : أوضاعه ، في طباعه ، في خُلقه ،

--> ( 1 ) الثبج : علوّ وسط البحر إذا تلاطمت أمواجه . ( تهذيب اللغة 11 : 19 ) .